الحاج حسين الشاكري

469

علي في الكتاب والسنة والأدب

منهم النصف ، وقتل جند الإسلام كلهم يومئذ النصف الآخر . وطار ذكر بلائه في الحرب فملأ الآفاق قرونا عدة ، حتى اتخذه الفرنج والروم رمزا للتفوق الحربي الذي لا يضارع ، فرسموا صوره في بيعهم ومعابدهم ، حاملا سيفه ، مشمرا للقتال ، مجسدا لبطولة الأبطال وفروسية الفرسان . . وصوره الترك والديلم على سيوفهم تفاؤلا به ، واستجلابا للنصر الذي كان حليفه في كل ميدان . واقترنت شجاعته بهيبة وثقت له في الظفر ، كانت تتزلزل لها القلوب في الصدور ، وتدور العيون في المحاجر ، وتلتوي الأقدام . والذين يزعمون أنه لم يكن صاحب سياسة ولا دهاء ، إنما يرون السياسة على غير وجهها الحقيقي ، ويجردونها من مضمونها الأصيل . فليست أخذا بالغدر ، ومقارفه للفجر ، أو تكون إذن نوعا من الخسة النفسية والخبث الرخيص الذي يتردى بإنسانية الانسان وكرامته إلى الحضيض ، ولا يستعصي انتهاجها على أي وغد خسيس . . قيل في دهاء معاوية ما قيل ، فكان رد علي على هذا الزعم المأفوك : " والله ما معاوية بأدهى مني . ولكنه يغدر ويفجر ، وأنا امرؤ لا أحب الغدر " . وإذا كانت الشجاعة قد اقترنت فيه بالهيبة فقد اجتمعت له إليهما قوة بدنية " قرهقلية " كما يقال في الأساطير . فهو الذي خلع باب حصن ناعم وتترس به وبثقله تنوء العصبة أولو الأيد من الرجال . وهو الذي اقتلع الصخرة التي آدت اقتلاعها العشرات وتفجر من تحتها الماء . وهو الذي أسعفته يقظته كما أسعفته قوته فمد إحدى يديه إلى فارس هم أن يقتله ، فخطفه بها من فوق جواده ، وجلد به الأرض جلدا شديدا حتى حطمه ، وأحاله كتلة هامدة من اللحم والدم وهشيم العظام .